يا قدس انا قادمون بفرسان النهار

حروب ومقالات دينية


    مكانة فلسطين الإسلامية : 2

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 241
    تاريخ التسجيل : 26/08/2011

    مكانة فلسطين الإسلامية : 2

    مُساهمة  Admin في الجمعة أغسطس 26, 2011 1:27 pm

    مكانة فلسطين الإسلامية
    تتمتع أرض فلسطين بمكانة خاصة في التصور الإسلامي، وهي المكانة التي جعلتها محط أنظار المسلمين ومهوى أفئدتهم، وسنشير هنا باختصار إلى أهم النقاط التي جعلتها تحظى بهذه المكانة:
    - في أرض فلسطين المسجد الأقصى المبارك، وهو أول قبلة للمسلمين في صلاتهم، كما يُعدُّ ثالث المساجد مكانة ومنـزلة في الإسلام بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي، ويُسنُّ شد الرحال إليه وزيارته، والصلاة فيه بخمسمائة صلاة عما سواه من المساجد. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"[6]، وقال صلى الله عليه وسلم:" الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة"[7]. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس"[8].

    وروى الطبري في تاريخه عن قتادة قال:" كانوا يُصلُّون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة، وبعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وجَّه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام"[9].

    وعن أبي ذر رضي الله عنه قال "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض، قال: المسجد الحرام، قلت ثم أي، قال: المسجد الأقصى"[10]. وعن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس، فقال:" ائتوه فصلوا فيه، فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله"[11].

    وعن أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، أو "وجبت له الجنة"، ثم قال: يرحم الله وكيعاً أحرم من بيت المقدس (يعني إلى مكة)[12]. ورواه البيهقي وابن حبان في صحيحه ولفظه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرةٍ غفر له ما تقدم من ذنبه"، قال: فركِبَت أم حكيم إلى بيت المقدس حتى أهلت منه بعمرة.

    - وأرض فلسطين أرض مباركة بنص القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾[13]، وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾[14]، قال ابن كثير: بلاد الشام[15]، وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾[16]، قال ابن كثير: بلاد الشام[17]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾[18]، قال ابن عباس: القرى التي باركنا فيها هي بيت المقدس[19]. والبركة هنا حسية ومعنوية لما فيها من ثمار وخيرات، ولما خصت به من مكانة، ولكونها مقر الأنبياء ومهبط الملائكة الأطهار.

    - وهي أرض مقدسة بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾[20]، قال الزجاج: المقدسة : الطاهرة، وقيل سماها المقدسة لأنها طهرت من الشرك وجعلت مسكناً للأنبياء والمؤمنين، قال الكلبي: الأرض المقدسة هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي الشام كلها[21].

    - وفلسطين أرض الأنبياء ومبعثهم عليهم السلام، فعلى أرضها عاش إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط، وداود وسليمان وصالح وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ممن ورد ذكرهم في القرآن الكريم، كما زارها محمد صلى الله عليه وسلم. كما عاش على أرضها الكثير من أنبياء بني إسرائيل الذي كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاءهم نبي، وممن ورد ذكرهم في الحديث الصحيح نبي الله يوشع عليه السلام[22]. ولذلك فإن المسلمين عندما يقرؤون القرآن الكريم يشعرون بارتباط عظيم بينهم وبين هذه الأرض لأن ميدان الصراع بين الحق والباطل تركَّز على هذه الأرض، ولأنهم يؤمنون بأنهم حاملو ميراث الأنبياء ورافعو رايتهم.

    - وتكثر في فلسطين أضرحة ومقامات ومزارات الأنبياء، وهي تُخلِّد ذكرى استقرارهم أو مرورهم في هذه الأماكن، فأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام سميت باسمه إحدى أهم مدن فلسطين، وهي مدينة الخليل، ويقع ضريحه في هذه المدينة داخل الحرم الإبراهيمي. وللنبي صالح سبعة أماكن على الأقل تخلد ذكرى نزوله في فلسطين أحدها في الرملة، وله فيها موسم زيارة سنوي مشهور، في شهر إبريل من كل عام. وهناك قرية من قرى قضاء طولكرم اسمها "ارتاح" تناقل الناس جيلاً بعد جيل أن يعقوب عليه السلام قد ارتاح فيها. وفي فلسطين أكثر من مقام للنبي شعيب عليه السلام. وهناك مقام مشهور للنبي موسى عليه السلام قرب أريحا، كما أن في القدس ضريح داود عليه السلام. أما المسيح عيسى عليه السلام فهناك العديد من الأماكن التي تخلد ذكراه في القدس وبيت لحم والناصرة وغيرها[23].

    - وفلسطين أرض الإسراء، فقد اختار الله سبحانه المسجد الأقصى ليكون مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنه كان معراجه إلى السماء، فشرَّف الله بذلك هذا المسجد وأرض فلسطين تشريفاً عظيماً، وجُعلت بيت المقدس بذلك بوابة الأرض إلى السماء. وهناك في المسجد الأقصى جمع الله سبحانه لرسوله الأنبياء من قبله فأمَّهم في الصلاة، دلالة على استمرار رسالة التوحيد التي جاء بها الأنبياء، وعلى انتقال الإمامة والريادة وأعباء الرسالة إلى الأمة الإسلامية.

    فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أُتيت بالبراق فركبته، حتى أَتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم عُرج بنا إلى السماء"[24].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لقد رأيتني في الحِجْر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط، فرفعه الله لي [أي بيت المقدس] أنظر إليه ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء [يعني في بيت المقدس] فإذا موسى قائم يُصلِّي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه صلى الله عليه وسلم، فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد هذا مالكٌ صاحب النار، فسَلِّم عليه، فالتفتُّ إليه، فبدأني بالسلام"[25].

    - وتبسط الملائكة أجنحتها على أرض فلسطين، التي هي جزء من بلاد الشام، ففي الحديث الصحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يا طوبى للشام، يا طوبى للشام، قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطة أجنحتها على الشام"[26].

    - وهي أرض المحشر والمنشر، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس، فقال:"أرض المحشر والمنشر"[27].

    - وهي عقر دار الإسلام، وقت اشتداد المحن والفتن، فعن سلمة بن نفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عقر دار الإسلام بالشام"[28]، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فنظرت فإذا نور ساطع عمد به إلى الشام، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام"[29].

    - والمقيم المحتسب فيها كالمجاهد والمرابط في سبيل الله، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أهل الشام وأزواجهم وذرياتهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل مدينة من المدائن فهو في رباط، ومن احتل منها ثغراً فهو في جهاد"[30].

    -وفي أحاديث يفسر ويقوي بعضها بعضاً أن الطائفة المنصورة الثابتة على الحق تسكن الشام وخصوصاً بيت المقدس وأكنافها، فعن أبي أمامة مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قيل: يا رسول الله أين هم؟، قال: بيت المقدس وأكناف بيت المقدس"[31].

    لمن الحق الديني والتاريخي في أرض فلسطين؟
    أقام اليهود حججهم في اغتصاب أرض فلسطين وإنشاء الكيان اليهودي الصهيوني عليها، على ادعاءات دينية وتاريخية، ونحاول هنا أن نناقش الأمر من هاتين الزاويتين:

    أولاً : الادعاءات الدينية
    الغريب في أمر الادعاءات الدينية أن اليهود يريدون من الآخرين أن يقتنعوا ويؤمنوا بما يؤمنون به، ولو كان المسلمون يؤمنون بحق اليهود في فلسطين لما حدثت صراعات وحروب. إن نقطة الالتقاء في القناعات الدينية توجب أن يؤمن أحد الطرفين بما عند الآخر، وهو ما يجعل الأمر يبدو مستحيلاً من الناحية المنطقية، إذ لا يوجد معايير دقيقة يقبلها الطرفان، ويمكن الاحتكام إليها.

    يبني اليهود ادعاءاتهم الدينية على ما ينقلونه من التوراة المحرفة من إعطاء الله سبحانه هذه الأرض لإبراهيم ونسله. ومما جاء فيها "وقال الرب لإبراهيم: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك… فذهب إبراهيم كما قال الرب... فأتوا إلى أرض كنعان... وظهر الرب لإبراهيم وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض"[32]، وجاء في التوراة المحرفة أيضاً "وسكن (إبراهيم) في أرض كنعان فقال له الرب: ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد"[33]، وجاء فيها أيضاً:"قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"[34].

    كما يحتجون بتراث أنبياء بني إسرائيل في الأرض المقدسة، وسعيهم لإسكان أتباعهم فيها، ومد نفوذهم عليها كما فعل موسى ويوشع وداود وسليمان عليهم السلام، غير أن الرؤية الإسلامية تنظر للأمر من زاوية مختلفة، ويمكن إجمال رد المسلمين على اليهود في النقاط التالية:

    أولاً: يؤمن المسلمون بكل الأنبياء، والإيمان بالأنبياء من أركان الإيمان، والكفر بأي منهم ممن ثبتت رسالتهم (بما فيهم أنبياء بني إسرائيل) كفرٌ يخرج عن الإسلام. غير أن المسلمين يؤمنون أن اليهود حرَّفوا التوراة، وكذَّبوا أنبياءهم وقتلوا عدداً منهم، ولم يتبعوا هداهم. ويؤمن المسلمون أنهم الأتباع الحقيقيون لهؤلاء الأنبياء، وأنهم ورثة رسالتهم، في هذا الزمان وليس اليهود.

    وإذا كانت رابطة العقيدة والإيمان هي الأساس الذي يجتمع عليه المسلمون مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم، فإن المسلمين هم أحق الناس بميراث الأنبياء بما فيهم أنبياء بني إسرائيل؛ لأن المسلمين هم الذين لا يزالون يرفعون الراية التي رفعها الأنبياء، وهم السائرون على دربهم وطريقهم. وهؤلاء الأنبياء هم مسلمون موحدون حسب الفهم القرآني. وانظر قوله تعالى : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾[35]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[36].

    وبشكل عام، فأمة التوحيد واحدة من لدن آدم عليه السلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأنبياء الله ورسله وأتباعهم هم جزء من أمة التوحيد، ودعوة الإسلام هي امتداد لدعوتهم، والمسلمون هم أحق الناس بأنبياء الله ورسله وميراثهم.

    فرصيد الأنبياء هو رصيدنا وتجربتهم هي تجربتنا، وتاريخهم هو تاريخنا، والشرعية التي أعطاها الله للأنبياء وأتباعهم في حكم الأرض المباركة المقدسة هي دلالة على شرعيتنا وحقنا في هذه الأرض وحكمها.
    ثانياً:يؤمن المسلمون أن الله سبحانه وتعالى أعطى هذه الأرض لبني إسرائيل لفترة محدودة، عندما كانوا مستقيمين على أمر الله، وعندما كانوا يمثلون أمة التوحيد في الأزمان الغابرة، ولسنا نخجل أو نتردد في ذكر هذه الحقيقة وإلا خالفنا صريح القرآن، ومن ذلك قول موسى عليه السلام لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾[37]، غير أن هذه الشرعية ارتبطت بمدى التزامهم بالتوحيد والالتزام بمنهج الله، فلما كفروا بالله وعصوا رسله وقتلوا الأنبياء ونقضوا عهودهم وميثاقهم، ورفضوا اتباع الرسالة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم والذي بشر به أنبياء بني إسرائيل قومهم ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ﴾[38]، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [39]، فلما فعلوا ذلك حلت عليهم لعنة الله وغضبه ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾[40]، وقال تعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾[41].
    وبذلك تحولت شرعية حكم الأرض المقدسة إلى الأمة التي سارت على منهج الأنبياء وحملت رايتهم، وهي أمة الإسلام. فالمسألة في فهمنا ليست متعلقة بالجنس والنسل والقوم، وإنما باتباع المنهج.

    لقد شوه اليهود جمال التوحيد، وافتروا على الله الكذب، وزوروا تاريخ أنبيائهم. وعلى سبيل المثال تذكر التوراة المحرفة والتلمود أن الله (تعالى عما يقولون علواً كبيراً) يلعب مع الحوت والأسماك كل يوم ثلاث ساعات، وأنه بكى على هدم الهيكل حتى صغر حجمه من سبع سماوات إلى أربع سماوات، وأن الزلازل والأعاصير تحدث نتيجة نزول دمع الله على البحر ندماً على خراب الهيكل[42]، هذا فضلاً عما ذكره القرآن من ادعاءاتهم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾[43]، ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾[44]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ﴾[45].

    كما ينسب اليهود إلى سيدنا يعقوب عليه السلام سرقة صنم ذهبي من أبيه، وأنه صارع الله (!!) قرب نابلس، وسمي بذلك بإسرائيل، كما تنسب له رشوة أخيه وخدعة أبيه، وأنه سكت عن زنا ابنتيه وأنه أشرك بربه...!! وقس على ذلك ما ذكروا عن باقي الأنبياء عليهم السلام[46].

    إن اليهود أنفسهم يعترفون بالمنكرات التي فعلوها بحق الله وحق أنبيائه، فيذكرون أن ملكهم يوحاز بن يوتام 735 ـ 715 ق.م علق قلبه بحب الأوثان حتى إنه ضحى بأولاده على مذابح الآلهة الوثنية وأطلق لنفسه عنان الشهوات والشرور، وأضلَّ منسي بن حزقيا الذي حكم خلال الفترة 687 ـ 642 ق. م قومه عن عبادة الله وأقام معابد وثنية[47]. ولسنا نستغرب هذا عن بني إسرائيل فتلك أخلاقهم مع موسى عليه السلام تشهد بذلك، كما أن القرآن الكريم يشير إلى أنهم غيّروا وبدَّلوا وقتلوا الأنبياء ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾[48]، ويحدثنا التاريخ أنهم قتلوا النبي حزقيال حيث قتله قاضٍ من قضاتهم لأنه نهاه عن منكرات فعلها، وأن الملك منسي بن [حزقيا] قتل النبي أشعيا بن أموص إذ أمر بنشره على جذع شجرة لأنه نصحه ووعظه، وأن اليهود قتلوا النبي أرميا رجماً بالحجارة لأنه وبخهم على منكرات فعلوها[49].

    ويسجل التلمود أن سقوط دولة اليهود وتدميرها لم يكن إلا "عندما بلغت ذنوب بني إسرائيل مبلغها وفاقت حدود ما يطيقه الإله العظيم، وعندما رفضوا أن ينصتوا لكلمات وتحذيرات إرمياه". وبعد تدمير الهيكل وجه النبي إرمياه كلامه إلى نبوخذ نصر والكلدانيين قائلا:" لا تظن أنك بقوتك وحدها استطعت أن تتغلب على شعب الله المختار، إنها ذنوبهم الفاجرة التي ساقتهم إلى هذا العذاب"[50].

    وتشير التوراة إلى آثام بني إسرائيل التي استحقوا بسببها سقوط مملكتهم، فتذكر على لسان أشعيا أحد أنبيائهم "ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الآثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدون تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء"، سفر أشعيا الإصحاح الأول (4)، وتقول التوراة " والأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع، غيروا الفريضة، نكثوا العهد الأبدي" سفر أشعيا الإصحاح 24 (5).

    وهكذا لم يعد اليهود مؤهلين لحمل أعباء الرسالة وتكاليفها، ففقدوا حقهم الديني في الأرض المقدسة.
    ثالثاً: فضلاً عن فهمنا المسألة في أصلها الشرعي، فإذا كان الله قد أعطى إبراهيم عليه السلام ونسله هذه الأرض، فإن بني إسرائيل ليسوا وحدهم نسل إبراهيم، فالعرب العدنانيون هم من نسله أيضاً، وهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وإليهم تنتمي قبيلة قريش، التي ينتسب إليها محمد صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فللعرب حقهم في الأرض.

    رابعاً: إن القرآن الكريم يوضح مسألة إمامة سيدنا إبراهيم وذريته في شكل لا لبس فيه، وتأمل قوله تعالى "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"[51].

    فعندما سأل إبراهيم الله أن تكون الإمامة في ذريته بيّن الله له أن عهده لذريته بالإمامة لا يستحقه ولا يناله الظالمون، وأي ظلم وكفر وصد عن سبيل الله وإفساد في الأرض أكبر مما فعله بنو إسرائيل ويفعلونه!!.

    ثانياً: المزاعم التاريخية
    يزعم اليهود أن فلسطين هي أرضهم التاريخية، وأن تاريخهم وتراثهم قد ارتبط بها، وأنهم هم الأصل في هذه الأرض وغيرهم ليسوا من أبنائها، وليسوا أكثر من عابري سبيل، وأن الأرض لا ترتبط عندهم بمعنى مميز كما ترتبط لدى اليهود.. ويشيرون إلى فترات حكم داود وسليمان عليهما السلام ودولتي إسرائيل ويهودا.. إلخ.
    وابتداء، فإننا لا نعدُّ اليهود الحاليين امتداداً تاريخياً شرعياً لبني إسرائيل، وحكم الأنبياء و الصالحين لأرض فلسطين، وصراعهم مع أعدائهم هو جزء من تاريخ أمة التوحيد، التي تعد أمة الإسلام امتداداً تاريخياً طبيعياً لهم.
    وعلى أي حال، وحتى لو قبلنا فرضاً، بمناقشة الأمر وفق الافتراضات اليهودية، فإنه يمكن إجمال ردنا عليهم فيما يلي:
    أولاً: سكن الإنسان أرض فلسطين منذ العصور الموغلة في القدم، أي قبل حوالي مليون عام، وبنى أبناء فلسطين أقدم مدينة في العالم " أريحا" قبل نحو عشرة آلاف سنة أي 8000 قبل الميلاد، وهاجر الكنعانيون من جزيرة العرب إلى فلسطين حوالي 2500ق.م، وكانت هجرتهم واسعة بحيث أصبحوا السكان الأساسيين للبلاد، وعرفت البلاد باسمهم، وأنشأوا معظم مدن فلسطين وقراها والتي بلغت في الألف الثاني قبل الميلاد حوالي مائتي مدينة وقرية، ومنها مدن شكيم (نابلس وبلاطة)، وبيسان وعسقلان وعكا وحيفا والخليل وأسدود وعاقر وبئر السبع وبيت لحم وغيرها.

    ويرى ثقاةُ المؤرخين أن عامة أهل فلسطين الحاليين وخاصة القرويين هم من أنسال الكنعانيين والشعوب القديمة، مثل شعوب البحر "الفلسطينيون"، أو من العرب والمسلمين الذين استقروا في البلاد إثر الفتح الإسلامي لها، وامتزجوا بأهلها الأصليين، أي أن جذور الفلسطينيين الحاليين تعود إلى 4500 سنة على الأقل، وهم لم يغادروها أو يهجروها طوال هذه الفترة إلى أي مكان آخر[52].

    ثانياً: إن قدوم إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين كان حوالي سنة 1900 ق.م، والتوراة تعترف أنها كانت أرضاً عامرة وتسميها باسمها "أرض كنعان"، حتى إن إبراهيم عليه السلام اشترى من أهلها مكاناً يدفن فيه زوجته سارة، وهو مغارة المكفيلة، والتي دفن فيها هو أيضاً فيما بعد، وكذلك ابنه إسحاق وحفيده يعقوب عليهما السلام، وهي التي بني عليها المسجد الإبراهيمي. واستقر بنو يعقوب فيما بعد (واسمه إسرائيل أيضاً)، في مصر بعد ذلك لأجيال عديدة حتى جاء موسى عليه السلام بتكليف إرسالهم إلى الأرض المقدسة حوالي 1250ق.م.
    وحتى سنة 1000ق.م لم يتمكن بنو إسرائيل سوى من الاستيطان في أجزاء ضئيلة من فلسطين في الأراضي المرتفعة المحيطة بالقدس، وفي السهول الشمالية.
    ثالثاً: إن ملك داود وسليمان عليهما السلام استمر حوالي ثمانين عاماً فقط (1004 ـ 923 ق.م)، وخلالها تمت السيطرة على معظم أنحاء فلسطين باستثناء المناطق الساحلية التي لم تلامسها المملكة إلا من مكان قريب من يافا.

    وبعد وفاة سليمان عليه السلام انقسم اليهود إلى مملكتين:
    1 ـ مملكة إسرائيل: في الجزء الشمالي من فلسطين، وعاصمتها في شكيم ثم ترزة ثم السامرة قرب نابلس، واستمرت حوالي مائتي عام (923- 721 ق.م)، وقد سمتها دائرة المعارف البريطانية ازدراء "المملكة الذيلية"، لضعفها وقلة شأنها. وقد قام الآشوريون بقيادة سرجون الثاني بالقضاء على هذه الدولة ونقلوا سكانها اليهود إلى حران والخابور وكردستان وفارس، وأحلوا محلهم جماعات من الآراميين، ويظهر أن المنفيين الإسرائيليين اندمجوا تماماً في الشعوب المجاورة لهم في المنفى، فلم يبق بعد ذلك أثر لنسل الأسباط العشرة من بني إسرائيل (يعقوب)، وهم الذين كانوا يتبعون هذه المملكة.

    2 ـ مملكة يهودا: وعاصمتها القدس واستمرت 337 عاماً أي الفترة 923 ـ 586 ق.م، ولم تكن تملك سوى أجزاء محدودة من وسط فلسطين، وقد اعترتها عوامل الضعف ووقعت تحت النفوذ الخارجي فترات طويلة، ودخل المهاجمون القدس نفسها مرات عديدة، كما فعل فرعون مصر شيشق أواخر القرن العاشر ق. م، والفلسطينيون الذين استولوا على قصر الملك يهورام (849- 842 ق.م) وسبوا بنيه ونساءه، كما خضعت للنفوذ الآشوري في عهود سرجون الثاني، وأسرحدون وآشور بانيبال، ..إلخ، وأخيراً أسقط البابليون بقيادة نبوخذ نصر "بختنصر"هذه المملكة، وسبى 40 ألفاً من اليهود إلى بابل في العراق، وهاجر من بقي من اليهود إلى مصر.

    وعلى هذا، فإن ملك بني إسرائيل استمر في أقصى مداه الزمني حوالي أربعة قرون لكنه كان على الأغلب على أجزاء محدودة من أرض فلسطين، وكانت مساحة نفوذهم على الأرض ونفوذهم السياسي تتآكل كلما مر الوقت.

    رابعاً: عندما دخلت فلسطين تحت الحكم الفارسي 539 ـ 332 ق.م سمح الإمبراطور قورش الثاني لليهود بالعودة إلى فلسطين من سبيهم البابلي، فرجعت أقلية منهم بينما بقيت أغلبيتهم في الأرض الجديدة (العراق) بعد أن أعجبتهم فاستقروا فيها. وسُمح لليهود بنوع من الحكم الذاتي تحت الهيمنة الفارسية في منطقة القدس وبمساحة لا يتجاوز نصف قطرها 20 كيلو متراً في أي اتجاه، أي بما لا يزيد عن 4.8 % من مساحة فلسطين الحالية؟!.

    وتحت الحكم الهلليني الإغريقي 332 - 63 ق.م استمر وضعهم على حاله تقريباً في عصر البطالمة (302 - 198 ق.م) غير أنهم عانوا من حكم السلوقيين (198 - 63 ق.م) الذين حاولوا فرض عبادة الآلهة اليونانية عليهم. وعندما ثار اليهود على الوضع، سمح لهم السلوقيون بممارسة دينهم، وتأسّس لهم حكم ذاتي في القدس منذ 164 ق.م أخذ يضيق ويتسع، وتزداد مظاهر استقلاله أو تضعف حسب صراع القوى الكبرى في ذلك الزمان على فلسطين. لكنهم ظلوا تحت نفوذ غيرهم ، ولم يتهيأ لهم الاستقلال السياسي الكامل رغم أنهم شهدوا انتعاشاً وتوسعاً تحت زعيمهم الكسندر جانيوس 103 ـ 76 ق.م. وقد غيَّر الرومان الذين بدأوا حكم فلسطين منذ 63 ق.م من سياستهم تجاه الحكم الذاتي اليهودي منذ السنة السادسة للميلاد، فبدأوا حكماً مباشراً على القدس وباقي فلسطين. وعندما ثار اليهود على الرومان 66 - 70 م أخمد الرومان الثورة بقسوة، ودمروا الهيكل والقدس. كما قضى الرومان على ثورة أخرى وأخيرة لليهود 132 - 135م فدمروا القدس وحرثوا موقعها، ومُنع اليهود من دخولها، والسكن فيها، وسُمح للمسيحيين فقط بالإقامة على ألّا يكونوا من أصل يهودي. وأقام الرومان مدينة جديدة فوق خرائب أورشليم (القدس) سموها إيليا كابيتولينا، ولذلك عرفت القدس فيما بعد باسم إيلياء، وهو الاسم الأول للإمبراطور الروماني في ذلك الوقت هادريان. واستمر حظر دخول اليهود للقدس مائتي سنة أخرى[53].

    خامساً: منذ القرن الثاني للميلاد وحتى القرن العشرين، وطوال حوالي 1800 سنة لم يشكل اليهود أية مجموعة بشرية أو سياسية ذات شأن في تاريخ فلسطين، وانقطعت صلتهم بها، سوى ما حفظوه من عواطف روحية، لم يكن لها تأثير سوى زيارة بعضهم للقدس، بإذنٍ وتسامح من المسلمين.

    ويدعي اليهود ارتباطهم المقدس بأرض فلسطين، وأنهم لم يخرجوا منها إلا قسراً، وأنهم لو سمح لهم لعادوا كلهم إليها، وهذا ينطوي على قدر هائل من المبالغة، إذ يذكر المؤرخون أن أغلب اليهود استنكفوا عن العودة إلى فلسطين بعد أن سمح لهم الإمبراطور الفارسي قورش بذلك. كما يجمع المؤرخون أن أعداد اليهود في فلسطين لم تزد عن ثلث يهود العالم قبل أن يحطم الرومان القدس على يد تيتوس في القرن الأول الميلادي. والآن، وبعد أكثر من خمسين عاماً على إنشاء الكيان اليهودي لا يزال أكثر من 60% من يهود العالم يعيشون خارج فلسطين، ويستنكفون عن الهجرة إليها، خصوصاً من تلك المناطق التي تتمتع بأوضاع اقتصادية أفضل كالولايات المتحدة وأوروبا الغربية[54].

    سادساً: انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين شرقي وغربي منذ 395 م، فتكونت الإمبراطورية الرومانية الشرقية وعاصمتها القسطنطينية، والإمبراطورية الرومانية الغربية وعاصمتها روما، غير أن الإمبراطورية الشرقية، التي عرفها العرب بدولة الروم، والتي عرفت كذلك باسم الدولة البيزنطية، حافظت على الهيمنة على فلسطين باستثناء فترات ضئيلة حتى جاء الفتح الإسلامي.

    سابعاً: فتح المسلمون فلسطين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بعد هزيمة الروم في أجنادين واليرموك وغيرها، ودخلوا القدس في 15هـ/ 636م. ومنذ ذلك الزمان اكتسبت فلسطين طابعها الإسلامي، ودخل أهلها في دين الله أفواجاً، وتعرب سكانها وتعربت لغتها بامتزاج أبنائها في ظل الحضارة الإسلامية مع القبائل العربية القادمة من الجزيرة، وظلت محتفظة بشكل عام بطابعها الإسلامي إلى عصرنا هذا.

    ثامناً: احتل الصليبيون القدس وأنشأوا مملكة بيت المقدس، واستمر حكمهم 88 عاماً 1099 ـ 1187 إلى أن استطاع صلاح الدين الأيوبي تحريرها إثر معركة حطين. وفيما عدا ذلك فإن فلسطين نعمت بالحكم تحت راية الإسلام 636 ـ 1917، أي حوالي 1200 عام. وهي أطول فترة تاريخية مقارنة بأي حكم آخر، كان الحكم فيه مسلماً والشعب مسلماً، وهو ما لم يحظ به أي عهد آخر مَرَّ على فلسطين. ثم إن المسلمين حكموا على مر تاريخهم فلسطين كلها وليس بعضاً منها. كما ضرب المسلمون المثل الأعلى في التسامح الديني، فوفروا حرية العبادة لليهود والنصارى، وأمنوهم على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم، فكانوا خير من خدم الأرض المقدسة وحمى حرمتها ومنع سفك الدماء.

    تاسعاً: إذا كانت المسألة متعلقة بالانتماء القومي والتركيب العرقي، فهل يستطيع يهود هذا الزمان إثبات أنهم أنسال بني إسرائيل الذي عاشوا في فلسطين قبل ألفي عام؟ إن الدراسات العلمية الأكاديمية لعدد من اليهود أنفسهم، وعلى رأسهم الكاتب المشهور آرثر كوستلر A. Koestler في كتابه القبيلة الثالثة عشر The Thirteenth Tribe: The Khazar Empire & its Heritage تشير إلى أن الأغلبية الساحقة ليهود هذا الزمان ليست من ذرية بني إسرائيل القدماء، وأن معظم اليهود الآن هم من نسل يهود الخزر، وهم في أصلهم قبائل تترية قديمة كانت تعيش في منطقة القوقاز، وأسست لنفسها مملكة في القرن السادس الميلادي شمال غربي بحر الخزر (بحر قزوين). وقد تهودت هذه المملكة في القرن الثامن الميلادي، ودخل ملكها بولان في اليهودية سنة 740 للميلاد، وقد سقطت هذه المملكة في نهاية القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر على يد تحالف الروس والبيزنطيين، وانتشر يهود الخزر بعد ذلك في روسيا وأوروبا الشرقية والغربية، واستقرت أعداد منهم في الأندلس أيام الحكم الإسلامي، وبعد سقوطها على يد الأسبان، هاجروا إلى شمال إفريقيا حيث شملهم تسامح المسلمين ورحمتهم[55].

    عاشراً: إن الحكم اليهودي الصهيوني المعاصر على معظم أرض فلسطين منذ سنة 1948 لم يتم إلا بالغصب والقوة والبطش و الدمار، وبناء على طرد أهلها وحرمانهم من حقوقهم، وتحت حماية القوى الكبرى ورعايتها كبريطانيا وأمريكا، وهو يفتح باباً لسفك الدماء والحروب التي لا يعلم مداها إلا الله.
    وهكذا فمن الناحية التاريخية لم يحكم اليهود إلا أجزاء من فلسطين وبما لا يزيد عن أربعة قرون (400 عام)، بينما حكمها المسلمون حوالي 1200 عام. ثم إن أهل فلسطين من الكنعانيين ومن امتزج بهم ظلوا أهلها منذ 4500 عام وحتى الآن، ولم يخرجوا منها على مر العصور، وهم الذين تنصروا أيام الرومان، وهم الذين أسلموا فيما بعد، فبقيت الأرض أرضهم، والبلاد بلادهم، أما اليهود فقد انقطعت صلتهم بفلسطين حوالي 1800 عام (135- 1948)، ولأصحاب العقل والمنطق أن يجيبوا الآن: من هو صاحب الحق التاريخي في أرض فلسطين؟

    حادي عشر: ما هو التقويم التاريخي الحضاري للدور الذي قام به اليهود في فلسطين؟
    نترك الإجابة لبعض مؤرخي النصارى المشهورين، فمثلاً يقول هـ.ج ولز في كتاب موجز التاريخ حول تجربة بني إسرائيل في فلسطين بعد السبي البابلي:" كانت حياة العبرانيين في فلسطين تشبه حياة رجل يصر على الإقامة وسط طريق مزدحم، فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار... ومن الأول إلى الآخر لم تكن مملكتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسورية وآشور وفينيقية، ذلك التاريخ الذي هو أكبر وأعظم من تاريخهم"[56].

    ويذكر المؤرخ المشهور غوستاف لوبون أن بني إسرائيل عندما استقروا في فلسطين "لم يقتبسوا من تلك الأمم سوى أخس ما في حضارتها، أي لم يقتبسوا غير عيوبها وعاداتها الضارة ودعارتها وخرافاتها فقربوا لجميع آلهة آسيا، قربوا لعشتروت ولبعل ولمولوخ من القرابين ما هو أكثر جداً مما قربوه لإله قبيلتهم يهوه العبوس الحقود الذي لم يثقوا به إلا قليلاً" ويقول :"اليهود عاشوا عيشة الفوضى الهائلة على الدوام تقريباً، ولم يكن تاريخهم غير قصة لضروب المنكرات.." "إن تاريخ اليهود في ضروب الحضارة صفر.. وهم لم يستحقوا أن يُعدُّوا من الأمم المتمدنة بأي وجه". ويقول غوستاف لوبون أيضاً:" وبقي بنو إسرائيل حتى في عهد ملوكهم بدواً أفاقين مفاجئين مغيرين سفاكين.. مندفعين في الخصام الوحشي"، ويقول:"إن مزاج اليهود النفسي ظل على الدوام قريباً جداً من حال أشد الشعوب بدائية. فقد كان اليهود عُنُداً مندفعين، غُفلاً سُذَّجاً جفاة كالوحوش والأطفال".."ولا تجد شعباً عطل عن الذوق الفني كما عطل اليهود"[57].

    ألفرسان [b][right]

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 4:49 am