يا قدس انا قادمون بفرسان النهار

حروب ومقالات دينية


    فلسطين في العهد الإسلامي

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 241
    تاريخ التسجيل : 26/08/2011

    فلسطين في العهد الإسلامي

    مُساهمة  Admin في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:43 pm

    [b][right]فلسطين في العهد الإسلامي
    قبل أن تتشكل الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، كانت أنظار القلّة المستضعفة من المسلمين في مكة تتجه إلى المسجد الأقصى وبيت المقدس في فلسطين. إذ إن معجزة الإسراء تمت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وكان المسجد الأقصى هو القبلة الأولى للمسلمين في الصلاة. وقد كان فتح خيبر وفدك (7هـ) وغزوتا مؤتة (8هـ) وتبوك (9هـ) وحملة أسامة بن زيد (11هـ) مقدمة لتطلع المسلمين إلى بلاد الشام.
    أما فتح فلسطين فكانت أبرز المعارك التي أدت إلى فتحها هي معركة أجنادين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه في 27 جمادى الأولى 13هـ ـ 30 يوليو 634م قرب بيت جبرين التي قتل فيها نحو ثلاثة آلاف من الروم، ومعركة فحل ـ بيسان في 28 ذي القعدة 13هـ ـ 23 يناير 635م والتي كان ميدانها غربي نهر الأردن إلى الجنوب من بيسان. أما المعركة الفاصلة فكانت معركة اليرموك شمالي الأردن في 5 رجب 15هـ ـ 12 أغسطس 636م والتي واجه فيها جيشُ المسلمين ـ المكون من 36 ألفاً بقيادة أبي عبيدة وخالد بن الوليد رضي الله عنهما ـ جيش الروم البالغ 200 ألف. وقد حلَّت كارثة كبرى في الروم قدَّرها بعض المؤرخين بنحو 130 ألف قتيل. وقد أدت هذه المعركة إلى فتح بلاد الشام. وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه لاستلام مفاتيح بيت المقدس بعد أن حاصرها المسلمون بضعة أشهر ورغب أهلها في الصلح شرط أن يتولى عمر رضي الله عنه العقد بنفسه. وهي المدينة الوحيدة في عهد الراشدين التي تولى خليفة بنفسه استلام مفاتيحها، وقد شارك عمر في الفتح نحو أربعة آلاف من الصحابة وصدَح صوت بلال بن رباح فيها بالأذان بعد أن كان امتنع عن ذلك منذ وفاة النبي وقد كتب عمر بن الخطاب لأهل القدس عهداً، اشتهر باسم "العهدة العمرية" وقد جاء فيه:
    "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيِّزِها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.
    وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وله مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ...
    وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.
    شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة 15هـ".
    ويعكس هذا النص مدى التسامح الديني عند المسلمين في عالم كان يسوده التعصب الأعمى والإكراه على الدين. وقد تم فتح القدس على الأرجح في ربيع الآخر 15هـ ـ مايو 637م. وكانت "قيسارية" آخر مدينة تفتح في فلسطين في شوال 19هـ ـ أكتوبر 639م، وكانت ميناء ومدينة عامرة قوية سعى الروم للاحتفاظ بها قدر استطاعتهم.
    وحسب التقسيمات الإدارية أصبحت فلسطين "جنداً" من "أجناد" الشام الذي توزع على أربعة أجناد في الراشدين، وأصبحت خمساً في عهد الدولة الأموية. وقد ظلت فلسطين جزءاً أصيلاً في الدولة الإسلامية ومتفاعلاً مع تطوراتها السياسية والحضارية. ولم يكن تغيُّر الدول والأسر الحاكمة ليؤثر على حقيقة أن أهل فلسطين عرب مسلمون موالون لدولة الإسلام وحكم الإسلام.
    وقد استمر حكم الراشدين حتى سنة 41هـ ـ 661م، ثم تبعه حكم بني أمية حتى 132هـ ـ 750م، ثم العباسيون الذين استمر حكمهم المباشر على فلسطين إلى أن بدأ يعاني من الضعف والتفكك مع انتهاء العصر العباسي الأول بمقتل الخليفة العباسي المتوكل سنة 247هـ ـ 861م مما أعطى الفرصة للولاة إلى أن يشكلوا لأنفسهم سلطات محلية وراثية، كما حدث مع العائلة الطولونية التي حكمت مصر وضمَّت فلسطين إليها 264 ـ 292هـ أي 878 ـ 905م، وقد حذا الأخشيديون حذو الطولونيين عندما حكموا مصر، فضموها إلى نفوذهم 323 ـ 358هـ أي 935 ـ 969م. وقد حكم الأخشيديون والطولونيون تحت الظل الاسمي للدولة العباسية.
    وفي 358هـ تمكن الفاطميون الذين ينتمون إلى المذهب الإسماعيلي من السيطرة على فلسطين. وخاض الفاطميون صراعات مع الثورات المحلية ومع القرامطة والأتراك السلاجقة للسيطرة على فلسطين. وتمكن السلاجقة في 464هـ ـ 1071م من السيطرة على معظمها. لكن الصراع عاد ليحتدم بين السلاجقة أنفسهم وبينهم وبين الفاطميين الذين تمكنوا من السيطرة على صور سنة 1097 وبيت المقدس في فبراير 1098 وقد كان هذا الصراع في غمرة الحملة الصليبية الأولى التي بدأت طلائعها في الوصول إلى بلاد الشام. وقام الفاطميون بمراسلة الصليبيين عارضين عليهم التعاون في قتال السلاجقة مقابل أن يكون القسم الشمالي من بلاد الشام للصليبيين وفلسطين للفاطميين.
    وليس من منهجنا في هذه الدراسة أن نتحدث عن تفصيلات الحروب الصليبية. ولكننا نذكر أن الصليبيين تمكنوا من احتلال فلسطين، وسيطروا على القدس 493هـ ـ 1099م بعد أن خاضوا في بحر من دماء المسلمين، وقتلوا منهم في القدس حوالي سبعين ألفاً. لكن الأمة المسلمة كانت لا تزال تملك الكثير من القوة والحيوية وكانت أرقى حضارياً وعلمياً من الصليبيين الأوروبيين، رغم ما كانت تعانيه من تشرذم وصراع سياسي وحروب داخلية. فقد ظهر أبطال مجاهدون أنهكوا الصليبيين طيلة فترة حكمهم، من أمثال أقسنقر البرسقي 508 ـ 520هـ، وعماد الدين زنكي 521 ـ 540هـ الذي أسقط إمارة الرها الصليبية، وابنه نور الدين محمود 541 ـ 569هـ / 1146 ـ 1174م، الذي قدَّم نموذجاً فذاً للقيادة المسلمة، وتبنى مشروعاً نهضوياً حضارياً موازياً لمشروع التحرير الذي شغله طيلة حكمه، فتمكن من توحيد القوى الإسلامية بقيادته في بلاد الشام، ثم ضمَّ مصر إلى حكمه، وأسقط الخلافة الفاطمية فيها على يد واليه هناك صلاح الدين الأيوبي، وتمكن من تحرير نحو خمسين مدينة وقلعة من الصليبيين. إلا أنه توفي رحمه الله بعد أن استكمل تثبيت فكي الكماشة (مصر والشام) على عنق الصليبيين.
    رفع صلاح الدين الأيوبي راية الجهاد بعد نور الدين 569 ـ 589هـ / 1174 ـ 1193م، وأعاد توحيد الشام ومصر تحت قيادته، وخاض معركة حطين مع الصليبيين في 24 ربيع الآخر 583هـ ـ 4 يوليو 1187م وهي معركة فاصلة في التاريخ أدت إلى تحطيم الوجود الصليبي وفتح بيت المقدس في 27 رجب 583هـ ـ 2 أكتوبر 1187م أي بعد نحو 88 عاماً من الحكم الصليبي. وقد تابع الصليبيون حملاتهم وتمكنوا من السيطرة على شريط ساحلي بين يافا وصور، كما سيطروا مرة أخرى على القدس (بسبب الصراعات الداخلية في الدولة الأيوبية). معظم الفترة بين 626 ـ 642هـ / 1229 ـ 1244م إلى أن عادت نهائياً إلى حظيرة الإسلام، واستمرت كذلك حتى الاحتلال البريطاني لفلسطين سنة 1917م.
    وقد خلف المماليك الدولة الأيوبية سنة 648هـ ـ 1250م وواجهوا الزحف المغولي على أرض فلسطين في معركة عين جالوت 25 رمضان 658هـ الموافق 6 سبتمبر 1260م بقيادة قطز (محمود بن ممدود) والتي تعدُّ من المعارك الفاصلة في التاريخ. ثم تابع المماليك مشروع تحرير فلسطين وبلاد الشام من بقايا الصليبيين، فقام الظاهر بيبرس بجهد كبير في ذلك، حيث استرد العديد من المناطق في فلسطين والشام ثم تابعه سيف الدين قلاوون، ثم ابنه الأشرف خليل بن قلاوون الذي تم على يديه إنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام بإسقاطه مملكة عكا الصليبية. إذ حرّر عكا في 17 جمادي الأولى 690هـ الموافق 18 مايو 1291م، واستولى بعد ذلك بسرعة على صيدا وصور وحيفا وعتليت. لتعود السيطرة الكاملة على فلسطين والشام من جديد لحكم الإسلام.
    وعندما ضعف شأن المماليك قام العثمانيون بالسيطرة على فلسطين (وباقي الشام) سنة 1516م وسيطروا على مصر في السنة التالية، ووسَّعوا سيطرتهم خلال نصف القرن التالي لتشمل معظم العالم العربي، حيث استمر حكمهم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918م.
    وقد تولت الدولة البيزنطية (دولة الروم) القسم الشرقي من الدولة الرومانية منذ 394 م، واستمرت في الهيمنة على فلسطين ـ عدا فترات ضئيلة من النفوذ الفارسي ـ حتى جاء الفتح الإسلامي لفلسطين سنة (15 هـ/ 636 م) في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومنذ ذلك الزمان اكتسبت فلسطين طابعها الإسلامي، ودخل أهلها في دين الله أفواجاً، وتعربوا وتعربت لغتهم بامتزاجهم مع القبائل العربية القادمة من الجزيرة العربية تحت لواء الحضارة الإسلامية.
    ولم تكن فترة الحروب الصليبية لتؤثر كثيراً على هوية الأرض والسكان، فقد استمرت مملكة بيت المقدس الصليبية إلى أن سقطت بعد 88 عاماً (1099-1187) على يد البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي، وكانت هذه المملكة في أحيان كثيرة في وضع دفاعي مُنهك، عانت فيه من هجمات قادة المسلمين أمثال نور الدين محمود رحمه الله.
    وعلى أي حال، فإن الحكم الإسلامي لفلسطين استمر نحواً من 1200 سنة حتى 1917 م، وهي أطول فترة تاريخية مقارنة بأي حكم آخر، كان الحكم فيها مسلماً، والشعب مسلماً، وغطى الحكم كلَّ فلسطين وليس بعضها، كما ضرب المسلمون المثل الأعلى في التسامح الديني وحرية الأديان، فكانوا خير من خدم الأرض المقدسة، وحمى حرمتها.
    وقد ترسخ الإسلام في فلسطين بقدوم عدد من الصحابة رضي الله عنهم واستقرارهم في فلسطين ونشرهم للإسلام فيها، وكان منهم: عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأسامة بن زيد بن حارثة، وواثلة بن الأسقع، وفيروز الديلمي، ودحية الكلبي، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وعلقمة بن مجزر الكناني، وأوس بن الصامت، ومسعود بن أوس بن زيد، وزنباع بن روح، وأبو ريحانة شمعون الأنصاري، وسويد بن زيد، وذو الأصابع التميمي، وأبو أُبيّ بن أم حرام الأنصاري، وأنيف بن ملة الجذامي، وأبو رويحة الفزعي… وغيرهم من الصحابة الذين عاشوا في فلسطين ودُفنوا في ثراها.
    ومن التابعين من أبناء فلسطين رجاء بن حيوة الكندي من مواليد بيسان، وهو الذي أشار على سليمان بن عبد الملك بتولية عمر بن عبد العزيز الخلافة. ومن التابعين أيضاً عبادة بن نسي الكندي، وروح بن زنباع، وممن سكن فلسطين أو زارها من التابعين مالك بن دينار، والأوزاعي، وهانئ بن كلثوم، وحميد بن عبد الله اللخمي، وسفيان الثوري، وابن شهاب الزهري.
    ومن كبار الأئمة والفقهاء الذين ولدوا في فلسطين الإمام الشافعي الذي ولد في مدينة غزة، وممن عاشوا في فلسطين أو زاروها من الأئمة إبراهيم بن أدهم، والليث بن سعد، وأبو بكر محمد الطرطوشي، وأبو بكر الجرجاني، وابن قدامة المقدسي.
    وإلى فلسطين ينتسب فاتح الأندلس القائد موسى بن نصير اللخمي، كما ينتسب إليها عبد الحميد بن يحيى رئيس فن الكتابة وسيّد الإنشاء والدواوين في عصره، وينتسب إليها أيضاً أول علماء الكيمياء الكبار في التاريخ الإسلامي خالد بن يزيد الأموي. ولا يتسع المجال للاستطراد، فقد كانت الأرض المقدسة مركزاً للحضارة الإسلامية، ومهوى لأفئدة المسلمين، وشارك أبناؤها بفعالية في بناء صرح الأمة الإسلامية الشامل وفي الارتقاء بنهضتها.


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 19, 2017 12:45 am